
هبط الصحفي ممدوح درجات سلم شقته بسرعة كعادته عندما يستدعونه للعمل فقد تلقى لتوه مكالمة هاتفية من الصحيفة تخبره بوقوع جريمة قتل في منتصف المدينة وبطبيعة عمله في قسم الحوادث يجب ان يكون هناك في اسرع وقت ممكن وقبل غيره من المنافسين الصحفيين .
خرج من البناية التي يسكن فيها واتجه بسرعة إلى الكراج الذي يبعد عدة أمتار عنها ، انشغل تفكيره للحظات بهذه الجريمة الجديدة إنها بالتأكيد ستكون حدثا صحفيا هاما فمدينته تندر فيها الجرائم الا من بعض حوادث الطرق وعمليات النصب والسرقات و........ ،انقطعت أفكاره بغتة على اثر اصطدامه بجسم ما ليجد نفسه ملقى على الأرض والى جواره شخص آخر ،ورغم انه هو من كان يسير بسرعة شارد الذهن الا ان هذا لم يمنع غضبه وحنقه على الرجل الآخر وخصوصا عندما اكتشف ان ثيابه قد اتسخت ،هب واقفا ينفض ثيابه بغضب واضح وصرخ بالرجل:"هل أنت أعمى انظر ماذا فعلت " كلمة تقال دائما في موقف كهذا،وقف الرجل بصمت ولم يجبه، فرفع ممدوح بصره عن ثيابه ليقع على رجل في منتصف عمره تقريبا انتبه إلى عصاً بيده والى حركة يديه الممتدتين أمامه والى نظارته السوداء "يا الهي انه أعمى" حدث نفسه بذهول "كيف تجرأ على إهانته ياله من أحمق " شعر بتقلص معدته وتوتر يشمله. فكر كيف يمكنه تصليح خطأه فامتدت يده بتلقائية لتمسك بذراع الرجل ولكن الأخير نفض ذراعه بقوة وقال:" لست بحاجة لعطفك" خفق قلب ممدوح بعنف اراد ان يقول شيئا " ماذا تفعل في هذا الوقت المتأخر من الليل ياعماه " هذا ما استطاع قوله ،فرد عليه الرجل بابتسامة مريرة " وهل هناك فرق بالنسبة لرجل مثلي" قال كلماته ثم حرك عصاه أمامه مهتديا بها في سيره البطئ الثابت ،تعلق بصر ممدوح بالرجل وهو يبتعد عنه وشعور بالتأنيب يكتنفه لأنه عامل هذا المسكين بغلظة وفظاظة ، اختفى الرجل في رواق بنهاية الشارع فهز ممدوح رأسه محاولا التخلي عن أفكاره وتابع سيره بخطىً متثاقلة وصورة الرجل الأعمى لاتفارق مخيلته..
*************
"انك حقا محترف لم اتصور ان الامر سيتم بهذه البساطة"
ابتسم رجل في منتصف عمره تقريبا لمحدثه وقال -وهو يلقي بعصا معه ارضا ويخلع نظارته السوداء-:"لااخفي عليك سعادتي عندما وجدت محفظته بسهولة في ثيابه لحظة اصطدامي به.. تم ذلك بسرعة حتى قبل ان يستوعب الأمر ، ولغبائه صدق تمثيلي عليه لدرجة أني شعرت انه سيبكي"
أطلق صديقه ضحكة قصيرة بينما عيناه تلمعان بجذل وهو يمسك بالنقود التي بيده وقال " المهم أننا ضمنا سهرة الليلة " ثم مال على صديقه وتابع بخبث" صحيح لقد سمعته ينعتك بالعمى ولكني أتساءل من منكما الأعمى"
وانطلقت الضحكات مجلجلة في ذلك الرواق لتهز سكون الليل هزا عنيفا.










